
الهجرة ظاهرة وواقع
مقدمة
أبدأ مقالي هذا بتمني ورجاء أخوي طالباً ممن يقرأه التروي في الحكم على مقالي أو (عليّ شخصياً). لأن موضوع الهجرة موضوع معقد وحساس وقد يثير حفيضة الجميع، فلا يوجد شخص أو مؤسسة أو جماعة إلا ولها يد في الهجرة. ولذا فأنه ليس من السهل لوم هذا أو ذاك، أو إلقاء التهم على جهة معينة دون غيرها، فالجميع مسؤول. العوامل التي تدفع الناس الى الهجرة عديدة، والاوضاع وليدة سنين وحالات وسياسيات تمتد الى الوراء لعشرات السنين. ولهذا لا يجب أن نرمي المهاجر بحجر أو ننعته بالخائن ولا ينبغي أن نبارك اليد التي تساعد على الهجرة وكأنها يد الله. ما أطلبه هو التوخي والحذر والحكم الموضوعي.
ملاحظات أولية
1. موضوع الهجرة هو موضوع يمسنا جميعاً، والاختلاف عليه يأتي من أختلافنا واختلاف ظروفنا وحياتنا واولوياتنا. فلا يوجد مدينة ولا قرية ولا عشيرة ولا عائلة إلا ولها من هاجر أو يريد أن يهاجر أو من لم يهاجر. فهي اليوم موضوع الساعة ومكانتها في تفكيرنا كمكانة القلب فينا.
2. الهجرة التي سأتكلم عنها هي هجرة المسيحيين من العراق. مع احترامي للمكونات العراقية الأخرى، إلا أني اعتقد بان المسيحيين هم الأكثر تأثراً بمسالة الهجرة نسبة الى عددهم وظروفهم التاريخية والثقافية والدينية.
3. لا يمكننا الوقوف على اسباب الهجرة كلها بالتفصيل، ولكني سوف أركز على الجوانب الانسانية والدينية والسياسية أكثر من غيرها، واترك للمختصين في مجالات أخرى أن يقدموا تفاصيل أكثر وباسهاب أكبر عنها.
4. تعقيدية الموضوع تفرض علينا ان ندرك بانه وفي هذا الموضوع خصوصاً تسود النظرة السلبية، ولهذا فأن الكلام عن الايجابيات يبدو مُشككاً، ولهذا أرجو ان لا تتعجلوا في إصدار الاحكام واللعنات.
واقع الهجرة
الهجرة بدأت تصبح ظاهرة خطيرة في واقع يفرض حاله في الجماعة المسيحية منذ عام 1990 بعد حرب الخليج الاولى. بدأ المسيحيون يهاجرون كعائلات كاملة الى بلدان الغرب. واشتدت موجة الهجرة في الاونة الأخيرة اي بعد عام 2003 حيث يقدر عدد المسيحيين الذين غادروا العراق بالثلثين من المجموع الكلي.
لم تعد الهجرة بمثابة ظاهرة فردية تصيب الشباب أو اصحاب رؤوس الاموال وطلاب العلم فحسب، وانما صارت في العراق صرعة تنتاب الأفراد والعائلات والجماعات وتدفعها الى اتخاذ قرار الهجرة، حتى صار إنساننا مكرها أو مخدراً. وليست مجرد ظاهرة نسبية وانما عملية مدروسة ومبرمجة والوسائل المستخدمة لتنفيذها متقنة وأموال طائلة ترصد لها وقوى سياسية تخطط لها!
لماذا لا يهاجر المسيحيون؟
1. هذه ارضهم وأرض أجدادهم. عاشوا فيها منذ الآف السنين.
2. أن الحضور المسيحي دور كبير تاريخياً وحضارياً ودينياً وخلقياً وواقعياً وانعدامه أو ضعفه يعرض العراق والشرق الاوسط الى أزمة كبيرة.
3. نقص عدد المسيحيين يسبب اختلالاً في موازين القوى ويغذي التباعد الديني بين الشرق والغرب، بين المسيحية والاسلام. وجودهم صمام أمان لأمور شتى وقضايا مختلفة.
4. المسيحيون مسؤولون عن قيم التعايش المشترك والتسامح الديني، ويجب الحفاظ على المسيحية في هذه البلاد، لانها مهد المسيحية والاديان الاخرى.
لماذا يهاجر المسيحيون؟
الاسباب التي تدفع الناس بصورة عامة والمسيحيون بصورة خاصة عديدة. أحصرها من وجهة نظر بهذه الاسباب:
1. طبيعية: كل واحد منّا هو مهاجر بطبيعته، مهاجر من بيت الى أخر (بسبب الزواج والتبتل)، من الريف الى المدينة (بسبب العمل)، مهاجر من مرحلة عمرية الى أخرى مختلفة تماماً (بسبب النمو والنضوج). علينا عدم التوقف عند انتماءتنا الطبيعية أو المادية، وإلا انغلقنا وضيّقنا أفق حياتنا. فالانسان مهاجر من ضرورية الى أخرى، وهذا هو النضوج. فالانسان بطبعه متحرك، وسمته هي الحياة والدينامية، النمو والتطور.
2. اقتصادية: الانسان يرحل حيث تمكّنه الظروف والاحوال لمورد أكبر وانتاج اعظم. فهو يهاجر ليبحث عن فرص العمل وليعيش مستقراً وهانئاً. ولهذا يهاجر الانسان ليبحث عن شأن اجتماعي أو مكسب اقتصادي أو مستوى من المعيشة افضل. فيترك مكانه ويذهب الى أخر. (اليوم في العراق، راتب الموظف الاهلي أو الحكومي، باستثناء بعض الاعمال الخاصة، لا يتجاوز المليون، وعليه أن يدفع الايجار بأكثر من هذا، وأن يأكل ويشرب ويلبس بمثله وأكثر منه.. ولسان حال الجميع: كيف أدبر هذا؟).
3. سياسية: الاضطرابات السياسية لم تترك البلاد منذ الخمسينيات من هذا القرن والى اليوم (استقرار نسبي في السبيعينيات)، انقلابات وثورات ثم حرب ثم احتلال ثم غزو وطائفية وثم الارهاب… لا يوجد ثوابت سياسية والعمل السياسي الوطني ضعيف والهوية الدينية الطائفية تنمو وتزداد وتسيطر (سياسية اضعفت قوة القانون واعطت للعشيرة والقبيلة الكلمة الاولى والاخيرة. ملئت بيوتنا شهداء والبست نسائنا السواد وحطمت قلوب الامهات على ازواجهن والاولاد على والديهم).
ولا يجب أن انسى وأن أذكّر بدور السياسات العالمية التي هي أشبه باخطبوط ذكي تقود حركاته قوى خفية تفضل المادة على المبادىء والقيم الانسانية والاخلاقية. سياسة يسمها الكثيرون بسياسية النظام العالمي الجديد التي تريد ان تفرض ارادتها بالقوة وتسير الشعوب مستعبدة وضعيفة وممزقة ومهانة ومقسمة. غايتها السيطرة على المنطقة واستغلالها واضعافها.
4. دينية: فقدان الحرية الدينية ونمو التعصب الديني وأسلمة المجتمع ومؤسساته (شوارع، دوائر ومدارس…) كان له الاثر الكبير الذي دفع الناس الى الهجرة. القوانين منحازة والدولة متدينة (البند الاول من الدستور). نمو التعصب الديني وعودة الى مفردات دينية بغيضة: كافر، ظال ومغضوب عليه، ومن أهل الذمة، وتفضيل دين على أخر. الدين الآخر هو من الدرجة الثانية. انتشار العقلية المتدينة التي تنفي الآخر ومشاركته وتلغي الدور الحضاري والثقافي.
5. نفسية: يشعر المسيحي بانه مواطن من الدرجة الثانية أو الثالثة. ظعيفون في وجودهم: من السهل تهديدهم واستلابهم اموالهم وغير قادرين على التعبير عن آرائهم بشكل صريح وواضح. مهضومين من ناحية الحقوق وأكثر المطالبين بالواجبات. يعاملون بشك وريبة بسبب دينهم أو طريقة حياتهم.
نتائج الهجرة
أولاً: سلبية
1. الهجرة نفسها. من أشد الظواهر السلبية التي يُبتلى بها بلد أو مجتمع او كنيسة.
2. تسبب الهجرة نزيف في العقول والطاقات البشرية المبدعة: اساتذة واطباء ومهندسين والعلماء والمفكرين والفنانين. الى جانب هذا يجب ذكر ضعف الطاقة الشبابية في مجتمعنا المسيحي.
3. ازدياد عدد النازحين والمهاجرين، وهذا يؤدي الى افقارهم وتحجيمهم فكرياً فلا يدور الكلام إلا على المعيشة المادية، وتنسحب على القيم والفضيلة والعلم، وهذا يعني الانسحاب من الروحانيات الى الماديات، واضعاف الروح الدينية وظهور الروح الالحادية.
4. انتشار عقلية التشكي والتذمر التي تغذيها نزعة تشاؤمية سائدة في مجتمعاتنا الشرقية، سرعان ما تتحول الى حالات يأس قاتل.
5. ضعف الشعور بالانتماء عند الاجيال اللاحقة في بلاد المهجر والتي تسبب الذوبان والانصهار. أو فورة في الحس القومي والانتماء اللغوي والتي يمكن أن تهمش ادوار أخرى ووظائف جمعية مسيحية أخرى.
ثانياً: أيجابيات
1. في النار ينكشف الذهب الحقيقي. فالمصرون على البقاء، عن وعي وقناعة ومبادىء راسخة، رغم كل الظروف والصعوبات، هم ابطال. ولكن هذا لا يعني أن كلّ الذين يهاجرون هم جبناء أو خونة، ولا كلّ الباقين هم أبطال. فبعض من هاجر له اسبابه الموجبة، وبعض من بقى لم يتمكن من الهجرة.
2. أحدى أهم الظواهر التي ولدتها الهجرة هي ظاهرة “الانتشار”. الانتشار هو انفتاح وتوسع، ولكل منهما محاسنه. فالاتساع يشمل العامودي والافقي، وهو يرتقي بالانسان المهاجر الى ابعاد جديدة وآفاق أوسع، والانتشار يضعه أمام مسؤوليات جديدة نحو مجتمعات جديدة. هذا يخلق فينا التحدي والمجابهة لتحقيق الذات.
3. ولّدت ظاهرة الهجرة قيم جميلة وهي التضامن والتساند والمعاضدة والمشاركة. تضامن مع الفقراء والوقوف الى جانب المظلوم والشعور بالمضطهد والمحتاج.
4. التخلّص من عقدة التعصب القبلي والعشائري والديني والشرقي وغيرها. قبول الآخر المختلف. لا نريد أن ننسى هنا بان مشكلة المثاقفة تبقى قائمة في المهجر! التوفيق بين الاصالة والخصوصية وبين الجديد والغيري.
ما العمل الآن؟
بدل التباكي والتشكي لنعمل شيئاً، ولو يسيراً أو جزئيا أو محدوداً. لا نبقى متفرجين، ولا نرضى البكاء على الاطلال أو الصراخ كبوق الشؤوم.
لنلملم جراح شعبنا في الداخل والخارج. فلا نشجع على الهجرة ولا نسدّ الابواب أمام مَنْ يريدها. لنندّد بالظلم والاضطهاد ولا نقبل بالحقوق الناقصة. لا نغلّب مصالحنا على مصالح الآخرين.
لنتظافر بالجهود والقوى والامكانات وأن نجنّد كل الامكانيات والطاقات لكي تحتل قضية شعبنا المسيحي قضية الصدارة في المحافل الدولية والكنسية في العالم. ولا بد لتحقيق هذا من وضوح القراءة، وعمق التشخيص. وأسأل الجميع: لماذا نمنع الهجرة؟ أو لماذا نشجع عليها؟ ألدينا جواب واضح ومقنع في الحالتين؟
ليست الهجرة “مصيبة” أنها “تحدي”، والتحدي يحتاج الى العمل والرجاء والايمان.
المطران سعد سيروب
المقالات المنشورة على صفحات المجلّة تُعبّر عن آراء كتّابها، لا عن رأي المجلّة.
مكتبة الفيديو
الطوباوي مار فلابيانوس ميخائيل ملكي
28 أغسطس، 2019حكاية القديس يوحنا الحبيب
8 مايو، 2019سمعان الشيخ
1 فبراير، 2019قصة القديس يوحنا الدمشقي
4 ديسمبر، 2018الشهيد الطوباوي مار فلابيانوس
27 أغسطس، 2018
أحدث المقالات
من كتاب العمر لو حكى
في غير مصنف10 يونيو، 2021لا توجد تعليقاتمن كلمات البابا فرنسيس للكهنة في استقباله تلامذة المعهد الكهنوتي الفرنسي في روما
8 يونيو، 2021لا توجد تعليقاتتأمّل – لأجل كلمتك
في تأملات4 يونيو، 2021لا توجد تعليقاتمن تحسب نفسك؟
في تأملات1 يونيو، 2021لا توجد تعليقاتاليوبيل الذهبي في العمل الرسولي للمطران مار يوحنّا جهاد بطّاح
28 مايو، 2021لا توجد تعليقاتغبطة أبينا البطريرك يحتفل بالقداس الإلهي ويرسم شمّاسين جديدين (الدرجات الصغرى)، حلب، سوريا
22 مايو، 2021لا توجد تعليقات
أحدث التعليقات
- Rasha على فلسفة التجلي
- فؤاد نعمة على لمحة عن دير الشرفة
- حيدرعواد على لماذا اختار النبي ايليا 12 حجراً وقال استجبني يارب؟
- fr. daniel على سدرو الاحد الرابع بعد العنصرة
- الشماس موريس خوري على نصلي لأجل آباء سينودس أساقفة كنيستنا السريانية الكاثوليكية الأنطاكية
التقويم
ن | ث | أرب | خ | ج | س | د |
---|---|---|---|---|---|---|
« يونيو | ||||||
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
28 | 29 | 30 |