جماليات فن التصوير السرياني
مقدمة: عندما غمس الفنانون السريان ريشهُم بالألوان الزاهية، كانت الأناجيل تبتهج فرحًا وإشراقًا بهذه الألوان. ولعبت الشخوص أدوارها اللاهوتية بمسرحها الصغير المتواضع، لتُمثل قصص الإنجيل، فكانت شاهدًا على العذوبة والحبّ والتضحية، ممثلةً من خلال رسوم سطرتها أناملٌ مشحونةٌ بإيمانٍ لا شك فيه.
الأيقونة والإيمان:
الأيقونة بشكل عام تروي الحدث بكل ما فيه من قيم وجمال ولكنّ السؤال الذي يفرض نفسَه دائمًا: هل التصوير المقدّس ضرورة للإيمان؟ لا نستطيع الاجابة على هذا السؤال إلاّ بلا ونعم، فهو ليس ضرورة قصريّة، وإنمّا هو ضرورة جماليّة، كالتراتيل التي تجمّل الصلاة وتسبح في أجواء علوية، كذلك الرسم فهو رسالة تُجسّد الحدث وتجمّده في زمنٍ حركيّ بذاته وأبدي.
المسيح صورةٌ إنسانيةٌ بسيطةٌ لإلهٍ كلّي القدرة وغير محدود وخالق الكون العظيم. أتانا إنسانًا وديعًا محبًا، يحمل أعظم صفات الإنسانية قاطبةً. وقد تتضمن الأيقونة هذه الجمالية بشكلها البسيط وما تحتويه من قيم.
أسلوب الفن السرياني:
قد تقبّل الآباء الأولون الرسم على الأناجيل إما بإلهام أو بحدسٍ عفوي. فزينوا الأناجيل بهذه الرسوم ذات الخطوط النظيفة المعبرة والتي تشع روحانيّة.
فالقيم الروحيّة والجمالية تمثلت من خلال تشخيصات تسبح في عالم واقعي وليس في عالمٍ خياليٍ إنّها محاكاة الطبيعة ولكنْ ضمن طرحٍ مستقلٍ للمعالجة الخطية ووعي هندسي للتأليف بين عالم الشكل واللون.
وهذا العالم يخضع لما نسميه (منطق الأشكال) ونعني بها الضرورة المستقلة والمجرّدة لوجود علاقات للخطوط فيما بينها، كالاخراج والتماثيل والتضاد، والمجموعات الهندسية الجزئية الزخرفيّة كلّ ذلك يحمل مدلولات لواقع مصاغ ذاتيًا. إنّ شغل المساحة المرسومة بأنواع الأشكال وتوزيعها لتغطية الفراغ. يتماشى مع اللاهوت المسيحي الفني دائمًا بتسبيح الله المتجدّد والمبدع.
إنّ الهندسية شديدة الوضوح في جدرانيات مار موسى الحبشي في النبك بسورية، فالتفسيحات العرضية من الأعلى إلى الأسفل تحتوي على مجموعات أشخاص لما يمكن أن نسميه بالحكم الأخير وكل شخص أو مجموعة تتصف بالتكامل والاكتفاء وهندسية الخطوط سواء منها المستقيمة أو المنحنية. والأشخاص يؤلفون بكامل اللوحة تكاملاً جميلاً ذا توزيع جميل للمساحات الفاتحة والغامقة بما يشبه الايقاع الموسيقي.
ولق اتّبع الرسامون أسلوب التخطيط التسييجي في جدارية مار موسى الحبشي، إلاّ أنّ التسييج في مخطوط ربّولا مدموج في الشكل ليتطور بشكل ظلال تغطي إحساسًا بالتجسيم والعمق.
إنّ رسوم المخطوطات بشكل عام تفقد التبسيط والتحوير للشكل الواقعي وتعامل خطوطها لإظهار شكل مختزل يقترب من التجريد أحيانًا. وخطوط الوجوه ليست متكررة دائمًا بل تظهر الاختلاف في الشكل والتعبير على الرغم من اختزالها للشكل.
إنّ هذه الرسوم قد جمعت بين الحركة والسكون في أرضية هندسية في التأليف والإخراج كما آلفت بين العفوية والصرامة في وحدة أسلوبية جمعت كلّ نتاج الفن السرياني من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه.
وتحقيق التأليف بين الواقعية والتحوير الهندسي ليس بالعمل السهل بل يتصف بفنية متطوّرة خاصة، إذ تُضَمّن قيم جمالية كما في هذه الأعمال.
الزخرفة والألوان:
أمّ الزخرفة فهي عرضية وما استعمل فيها أتى ليدل على ملمس معيّن كزخرفة لباس. أما إطارات هذه المخطوطات فقد زُيّنت بزخارف هندسية ىونباتية وهو تطور حتى سُمّي بالأرابل في الفن الإسلامي. وقد لُوّنت هذه الزخارف بألوان زاهية ومتعدّدة وأحيانًا لم تخرج عن ألوان المخطوط ذاتها.
والألوان المستعملة في هذه الرسوم مختزلة تعتمد على لونين أو ثلاثة ألوان ومشتقاتهما ونشاهد في مخطوطات مكتبة فلورنسا اللون الازرق الأكثر استعمالاً والمدرج من الفاتح إلى الغامق متناغمًا مع مساحات من اللون الأصفر المتدرج والأخضر. وقد حقّق الازرق في هذه الأعمال توازنًا مريحًا موحيًا بإحساس من السلام والسمو الروحي.
ولقد استُعملت الخطوط القويةٌ لإبراز ثنيّات الثياب وأحيانًا خطوط في غاية الرقة حسب ما يحتاجه الشكل وجمالية الإخراج. أمّا الوجوه فلم تخلص من التظليل إذ استعمل اللون الأخضر لإبراز الملامح الخاصة لكلّ شخصية.
إنّ الإحساس بالمعقولية إحساس قوي في الفن السرياني. وهي معقولية تجريبية متطورة في الخط ويعتمد هذا الأسلوب على الحرية الشخصية في الرسم ونشاهد أمثالها لدى ماتيس وجورج روا وغيرهم.
الخاتمة: رسالة الايقونة
فالفن السريانيّ مدرسة مستقلة لها سمائها المتميّزة. وهي لاهوتيّة الموضوع وذات رسالة لنشرر الأناجيل وتعميم العقيدة وتجميل الكنائس.
كما أنّ للفن السريانيّ والبيزنطي تأثيرات متبادلة فقد تأثر الثاني بالأوّل في العهود الأولى للمسيحيّة وتأثر الأوّل بالثاني في الفترات المتأخرة من نتاج هذه الأعمال أي القرن الحادي عشر حتى الثالث عشر. وإنّنا نجد استمرارية هذا الفن في مدرسة بغداد للتصوير على يد الواسطي في الفن الإسلامي.
أخيرًا إنّ الفن السرياني هو إشراقة نور في عالم الثقافة لبلاد الشام في العهود المسيحيّة وهذا التراث بقي وسوف يبقى متجددًا على الرغم من تعمّد تجاهله من قِبل بعض دارسي ومؤرخي الفنون العالمية.
الاستاذ الفنان جورج ستيتة
المقالات المنشورة على صفحات المجلّة تُعبّر عن آراء كتّابها، لا عن رأي المجلّة.
مكتبة الفيديو
الطوباوي مار فلابيانوس ميخائيل ملكي
28 أغسطس، 2019حكاية القديس يوحنا الحبيب
8 مايو، 2019سمعان الشيخ
1 فبراير، 2019قصة القديس يوحنا الدمشقي
4 ديسمبر، 2018الشهيد الطوباوي مار فلابيانوس
27 أغسطس، 2018
أحدث المقالات
من كتاب العمر لو حكى
في غير مصنف10 يونيو، 2021لا توجد تعليقاتمن كلمات البابا فرنسيس للكهنة في استقباله تلامذة المعهد الكهنوتي الفرنسي في روما
8 يونيو، 2021لا توجد تعليقاتتأمّل – لأجل كلمتك
في تأملات4 يونيو، 2021لا توجد تعليقاتمن تحسب نفسك؟
في تأملات1 يونيو، 2021لا توجد تعليقاتاليوبيل الذهبي في العمل الرسولي للمطران مار يوحنّا جهاد بطّاح
28 مايو، 2021لا توجد تعليقاتغبطة أبينا البطريرك يحتفل بالقداس الإلهي ويرسم شمّاسين جديدين (الدرجات الصغرى)، حلب، سوريا
22 مايو، 2021لا توجد تعليقات
أحدث التعليقات
- Rasha على فلسفة التجلي
- فؤاد نعمة على لمحة عن دير الشرفة
- حيدرعواد على لماذا اختار النبي ايليا 12 حجراً وقال استجبني يارب؟
- fr. daniel على سدرو الاحد الرابع بعد العنصرة
- الشماس موريس خوري على نصلي لأجل آباء سينودس أساقفة كنيستنا السريانية الكاثوليكية الأنطاكية
التقويم
ن | ث | أرب | خ | ج | س | د |
---|---|---|---|---|---|---|
« يونيو | ||||||
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
28 | 29 | 30 |